قال المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة إلى الإسكندرية تبرز كيف أصبحت مصر ركيزة أساسية لاستراتيجية فرنسا في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا وسط تزايد عدم الاستقرار الإقليمي وتحول التحالفات الجيوسياسية.

 

ووصل ماكرون إلى مصر في التاسع من مايو في المحطة الأولى من جولة إقليمية قادته إلى نيروبي لحضور قمة "أفريقيا إلى الأمام" التي استضافها بالاشتراك مع الرئيس الكيني ويليام روتو يومي 11 و12 مايو. ومن هناك، توجه إلى أديس أبابا لإجراء محادثات تركز على التعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي. 

 

وبحسب التقرير، فإن تسلسل الرحلة يُعدّ مؤشرًا هامًا. ففي الوقت الذي تسعى فيه فرنسا إلى إعادة تعريف دورها في القارة الأفريقية بعد سنوات من النكسات السياسية والعسكرية في منطقة الساحل، ويتضمن برنامج ماكرون ثلاثة محاور متزايدة الأهمية للانخراط الفرنسي في أفريقيا: الموقع الاستراتيجي لمصر في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، والثقل الاقتصادي والدبلوماسي المتنامي لكينيا في شرق أفريقيا، والأهمية الجيوسياسية لإثيوبيا في القرن الأفريقي.

 

وفي مصر، التقى ماكرون (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي في الإسكندرية، حيث بحثا ملف غزة، ووصول المساعدات الإنسانية، والاضطرابات الإقليمية الأوسع نطاقًا، قبل افتتاح جامعة جامعة سنجور ببرج العرب. 

 

لكن أهمية الزيارة تجاوزت الجامعة نفسها، إذ تتمتع فرنسا بحضور مؤسسي واقتصادي قوي في مصر، من خلال التعاون الدفاعي، ومشاريع البنية التحتية، وتمويل التنمية، وشبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والبحثية. 

 

خامس زيارة لماكرون إلى مصر

 

ويتجاوز التعاون الفرنسي المصري اليوم نطاق الدبلوماسية والأمن. فقد كانت زيارته في الأسبوع الماضي خامس زيارة له إلى مصر كرئيس منذ عام 2017، مقارنةً بزيارتين قام بهما فرانسوا هولاند خلال فترة رئاسته، مما يؤكد الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها القاهرة ضمن استراتيجية فرنسا في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. 

 

كما تعززت العلاقات في الاتجاه المعاكس، حيث سافر السيسي إلى فرنسا ثماني مرات على الأقل منذ بداية رئاسته عام 2013، مما يعكس الطبيعة الاستراتيجية المتنامية للعلاقات الثنائية بين باريس والقاهرة، وفق التقرير.

 

سياسيًا، أشار إلى تقارب فرنسا ومصر بشكل كبير في ليبيا منذ عام 2014، لا سيما من خلال دعمهما لقائد شرق ليبيا، خليفة حفتر. وعلى الرغم من أن فرنسا دعمت رسميًا الجهود الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة، إلا أنها طورت في الوقت نفسه علاقات أمنية وثيقة مع قوات حفتر، معتبرةً إياها ثقلاً موازنًا للجماعات الإسلامية وعدم الاستقرار الإقليمي. 

 

وبالمثل، تدعم مصر حفتر سياسيًا وعسكريًا، إذ تعتبر شرق ليبيا منطقة عازلة حيوية لأمنها القومي. وقد أصبح هذا التوافق بشأن ليبيا أحد الركائز الاستراتيجية الرئيسية للشراكة الفرنسية المصرية الأوسع نطاقًا خلال العقد الماضي.

 

وتزايد ترابط علاقة فرنسا بمصر مع محور إقليمي أوسع يتمحور حول القاهرة وأبوظبي بعد عام 2013. فبعد وصول السيسي إلى السلطة، أصبحت الإمارات العربية المتحدة من أبرز الداعمين السياسيين والماليين لمصر، حيث قدمت مليارات الدولارات من المساعدات والاستثمارات، وعززت في الوقت نفسه موقفاً مشتركاً ضد الحركات الإسلامية في المنطقة. 

 

وعلى مدى العقد الماضي، عززت فرنسا موقفها تدريجيًا ضمن هذا الإطار الموجه نحو الاستقرار، من خلال تنسيق أوثق مع كل من مصر والإمارات العربية المتحدة في مجالات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وشؤون البحر الأحمر وشرق المتوسط.

 

وكانت مصر أول مشترٍ أجنبي لطائرات رافال الفرنسية المقاتلة عام 2015، بموجب صفقة بلغت قيمتها 5.2 مليار يورو، شملت 24 طائرة وفرقاطة من طراز FREMM وصواريخ. ثم وسّعت القاهرة الشراكة لاحقًا بطلب ثانٍ لـ30 طائرة رافال عام 2021، ما جعل مصر أحد أهم شركاء فرنسا الدفاعيين خارج أوروبا. 

 

واعتبر التقرير أن تزايد استثمارات فرنسا في علاقاتها مع مصر يعكس الدور المحوري الذي تلعبه القاهرة في العديد من الأزمات التي تُعيد تشكيل جوار أوروبا الجنوبي. فمنذ اندلاع الحرب في غزة، أصبحت مصر أحد الوسطاء الرئيسين بين إسرائيل وحماس، إلى جانب إدارتها لوصول المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح وتنسيقها لإيصال المساعدات إلى القطاع. 

 

إعادة تقييم النفوذ الفرنسي

 

ويمكن فهم تعميق العلاقات الفرنسية مع مصر في سياق الصعوبات الأوسع التي تواجهها باريس في كل من المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء. فخلال السنوات القليلة الماضية، شهدت فرنسا تراجعًا ملحوظًا في نفوذها السياسي والعسكري في منطقة الساحل. إذ قامت المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بطرد القوات الفرنسية، وإنهاء اتفاقيات الدفاع، والتوجه بشكل متزايد نحو روسيا للتعاون الأمني . وفي عام 2023، أنهت فرنسا رسميًا عملية برخان - أكبر عملياتها العسكرية في أفريقيا - في حين تزايدت المشاعر المعادية لفرنسا في العديد من الدول الناطقة بالفرنسية. 

 

كما حافظت مصر على وجود كبير في مالي من خلال بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، حيث نشرت أكثر من ألف جندي وعنصر من الشرطة في البلاد. إلا أنه في عام 2022، أعلنت القاهرة تعليق مشاركتها في أعقاب هجمات متكررة على قوات حفظ السلام وتزايد انعدام الأمن.

 

وفي الوقت نفسه، واجهت فرنسا توترات متزايدة مع بعض دول المغرب العربي ، ولا سيما الجزائر. فقد تدهورت العلاقات بين باريس والجزائر بشكل حاد خلال العامين الماضيين في أعقاب دعم فرنسا لخطة المغرب لمنح الحكم الذاتي للصحراء الغربية، على خلفية توترات أوسع نطاقًا بشأن الهجرة وسياسات الذاكرة ما بعد الاستعمارية. 

 

وفي هذا السياق، شدد التقرير على أن مصر اكتسبت أهمية بالغة بالنسبة لباريس. فعلى عكس العديد من شركاء فرنسا التقليديين في أفريقيا، توفر القاهرة استمرارية سياسية، ونفوذًا إقليميًا، وإطارًا واسعًا من التعاون العسكري والاقتصادي والمؤسسي. ولذلك، لا تمثل مصر مجرد علاقة ثنائية أخرى، بل هي من بين الأماكن القليلة التي يبدو فيها النفوذ الفرنسي في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط في ازدياد بدلاً من التراجع.

 

القوة الناعمة والنفوذ المؤسسي


إلى جانب الدفاع والبنية التحتية، حافظت فرنسا على حضور ثقافي وتعليمي وفكري راسخ في مصر، ما يميزها عن العديد من الجهات الأوروبية الأخرى في المنطقة. فقد انشأت مدارس وجامعات ومعاهد بحثية ناطقة بالفرنسية في البلاد لعقود، لا سيما في القاهرة والإسكندرية، مساهمةً في تكوين نخب سياسية واقتصادية وفكرية تربطها صلات بالمؤسسات والشبكات الفرنسية. 


https://www.ispionline.it/en/publication/frances-expanding-footprint-in-egypt-237799